تحوّلت واحدة من أضخم صفقات الطاقة في تاريخ التعاون بين القاهرة وتل أبيب، والبالغة قيمتها 35 مليار دولار، إلى ورقة ضغط سياسية بعدما كشفت صحيفة إسرائيل هيوم عن تعليمات من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعدم استكمال تنفيذ الاتفاق إلا بموافقته المباشرة.
الاتفاق، الذي وقعته شركة نيوميد إنرجي الإسرائيلية قبل أشهر، يقضي بتوريد نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز إلى مصر حتى عام 2040، مع رفع الكميات المصدَّرة من 4.5 مليارات متر مكعب سنوياً إلى 12 مليار متر مكعب. الصفقة تمثل ركيزة لتطوير حقل ليفياثان الإسرائيلي العملاق، لكنها في الوقت ذاته تمنح القاهرة منفذاً لتأمين احتياجاتها وتنويع مصادر الطاقة.
التسريب الإسرائيلي جاء في توقيت حساس، إذ يربطه مراقبون بموقف مصر الرافض لتهجير الفلسطينيين من غزة، بعد تصريحات لرئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي شدد فيها على رفض القاهرة القاطع لهذا السيناريو.
وأمس الجمعة؛ قام بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، والمهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، بتكليف من الرئيس عبد الفتاح السيسي، بزيارة ثنائية إلى العاصمة القبرصية نيقوسيا.
وقالت وزارة الخارجية المصرية في بيان الجمعة، إن الوزيرين ناقشا في جلسة مباحثات موسعة مع الرئيس القبرصي نيكوس كريستودوليدس، سبل تعزيز التعاون الإقليمي، ولاسيما في مجالات الطاقة والغاز، مع التركيز على ربط الحقول القبرصية بالبنية التحتية المصرية.
أوضح وزير البترول المصري، خلال مؤتمر مع نظيره القبرصي جورج باباناستاسيو في نيقوسيا، أن الزيارة تأتي في إطار متابعة تطورات التعاون بين البلدين لربط حقول الغاز القبرصية بالبنية التحتية المصرية، وتسريع وتيرة العمل مع مختلف الأطراف. وأكد أن المباحثات ركزت على مشروع ربط حقل “كرونوس” القبرصي بتسهيلات البنية التحتية المصرية، مشيراً إلى إحراز تقدم كبير بهدف بدء استقبال الغاز في مصر وإعادة تصديره للأسواق الأوروبية اعتباراً من عام 2027.
وشدد بدوي على أن المشروع الاستراتيجي يعزز مكانة مصر كمركز إقليمي محوري لتجارة وتداول الطاقة، كما يمنح قبرص فرصة لتوسيع دورها كمصدر رئيسي للغاز نحو أوروبا عبر الأراضي المصرية، بما يرسخ الشراكة بين البلدين في مجال الطاقة.
ويرى محللون أن إسرائيل تستخدم ورقة الطاقة كوسيلة ضغط سياسي، رغم أن التراجع عن الصفقة قد يترتب عليه غرامات جزائية ضخمة، فضلاً عن محدودية بدائل التصدير أمام تل أبيب.
من جانبه، أوضح وزير البترول المصري الأسبق أسامة كمال، في مقابلة مع “العربية Business”، أن لمصر أوراق قوة واضحة، إذ تمتلك 5 وحدات لإعادة تغويز الغاز بطاقة تتجاوز 3 مليارات قدم مكعب يومياً، إضافة إلى إنتاج محلي يفوق 4 مليارات قدم مكعب، ما يجعلها أقل اعتماداً على الغاز الإسرائيلي.
كما أشار إلى قدرة مصر على تنويع مصادرها عبر اتفاقات مع قبرص، وتعزيز حصتها من الطاقة المتجددة والنووية بحلول 2027-2028.
تاريخياً، تعود محاولات الربط الغازي بين مصر وإسرائيل إلى تسعينيات القرن الماضي، حين سعت القاهرة لاستخدام التعاون الاقتصادي كأداة لخفض التوتر ودعم الفلسطينيين، إلا أن التقلبات السياسية وحوادث 2011 أوقفت تدفقات الغاز المصري لإسرائيل، قبل أن تنعكس المعادلة لاحقاً باستيراد القاهرة الغاز الإسرائيلي.
اليوم، ومع تسريب نتنياهو الأخير، تبدو الصفقة على المحك بين المصالح الاقتصادية الضخمة، والاصطفافات السياسية في المنطقة، وسط تساؤلات حول قدرة تل أبيب على تحويل الطاقة إلى أداة ابتزاز سياسي، أو نجاح القاهرة في قلب المعادلة بما يضمن مصالحها الاستراتيجية والتي ستدافع عنها بقوة.
petro-mining نعمل اليوم بلغة المستقبل